محمد جمال الدين القاسمي

464

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

قال الحاكم : نهوا عن سب الأصنام لوجهين : أحدهما : أنها جماد لا ذنب لها . والثاني : أن ذلك يؤدي إلى المعصية بسبّ اللّه تعالى . قال : والذي يجب علينا بيان بغضها ، وأنه لا تجوز عبادتها ، وأنها لا تضر ولا تنفع ، وأنها لا تستحق العبادة ، وهذا ليس بسبّ . ولهذا قال أمير المؤمنين ( يوم صفين ) : لا تسبوهم ، ولكن اذكروا قبيح أفعالهم . انتهى . وقال الزمخشري : فإن قلت : سب الآلهة حق وطاعة ، فكيف صح النهي عنه ، وإنما يصح النهي عن المعاصي ؟ قل : رب طاعة علم أنها تكون مفسدة ، فتخرج عن أن تكون طاعة ، فيجب النهي عنها لأنها معصية ، لا لأنها طاعة . كالنهي عن المنكر ، هو من أجل الطاعات ، فإذا علم أنه يؤدي إلى زيادة الشر انقلب إلى معصية ، ووجب النهي عن ذلك ، كما يجب النهي عن المنكر . فإن قلت : فقد روي عن الحسن وابن سيرين أنهما حضرا جنازة ، فرأى محمد نساء ، فرجع . فقال الحسن : لو تركنا الطاعة لأجل المعصية ، لأسرع ذلك في ديننا . قلت : ليس هذا مما نحن بصدده ، لأن حضور الرجال الجنازة طاعة ، وليس بسبب لحضور النساء ، فإنهن يحضرنها ، حضر الرجال أو لم يحضروا . بخلاف سب الآلهة . وإنما خيل إلى ابن سيرين أنه مثله ، حتى نبه عليه الحسن . انتهى . ومنه قال بعض مفسري الزيدية : واعلم أن المعصية إن كانت حاصلة لا محالة ، سواء فعل الحسن أم لا ، لم يسقط الواجب ، ولا يقبح الحسن . انتهى . وكذا قال الخفاجي : إن الطاعة إذا أدت إلى معصية راجحة ، وكانت سببا لها ، وجب تركها . بخلاف الطاعة في موضع فيه معصية ، لا يمكن دفعها . وكثيرا ما يشتبهان . ولذا لم يحضر ابن سيرين جنازة اجتمع فيها الرجال والنساء ، وخالفه الحسن للفرق بينهما . انتهى . قال الرازيّ : وفي الآية تأديب لمن يدعو إلى الدين ، لئلا يتشاغل بما لا فائدة له في المطلوب ، لأن وصف الأوثان بأنها جمادات لا تضر ولا تنفع ، يكفي في القدح في إلهيتها ، فلا حاجة ، مع ذلك ، إلى شتمها . كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ من الأمم الماضية على الضلال عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ أي : بالبعث بعد الموت ، فَيُنَبِّئُهُمْ أي : يخبرهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ في الدنيا . وذلك بالمحاسبة والمجازاة عليه .